الشيخ محمد هادي معرفة

370

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

ومنه العدول عن الماضي إلى الاستقبال أو العكس ، كقوله تعالى : « وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً فَسُقْناهُ إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنا بِهِ الْأَرْضَ » . « 1 » فقوله : « تثير » مسبوق وملحوق بالفعل الماضي ، اهتماما بشأنه ، إرادة لاستحضار تلك الصورة البديعة الدالّة على القدرة الباهرة ، وهي حكاية الحال التي يقع فيها إثارة الرياح للسحب . وهكذا يفعل بكلّ أمر فيه ميزة واختصاص ، كحال تُستَغْرَب أو تُهِمُّ المخاطب أو غير ذلك . قال ابن الأثير : العدول عن صيغة إلى أخرى لا يكون إلّا لنوع خصوصية اقتضت ذلك ، ولا يتوخّاه إلّا العارف برموز الفصاحة وأسرار البلاغة . وليس يوجد ذلك في كلّ كلام ، فإنّه من أشكل ضروب علم البيان وأدقّها فهما وأغمضها طريقا . « 2 » ونظير الآية قوله : « فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكانٍ سَحِيقٍ » « 3 » فهو لاستحضار صورة خطف الطير إيّاه أو هويّ الريح به . وللآية تصوير فنّيّ رائع تكلّمنا عنه . وقوله تعالى : « إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ » « 4 » لم يقل : وصدّوا . . . لأنّ كفرهم كان سابقا ، وإنّما المتجدّد هو الصدّ عن سبيل اللّه ولا يزال مستمرّا . ومثلها قوله : « أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً » . « 5 » لأنّ نزول المطر ينقطع أمّا الاخضرار فيبقى مدّة . وقد عكس ذلك في قوله : « وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ » « 6 » فالعدول إلى الماضي للدلالة عل التحقّق وأنّه كائن لا محالة . ومثلها قوله : « وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً وَحَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً » . « 7 » ويجري هذا المجرى الإخبار عن المستقبل باسم المفعول ، كما في قوله تعالى : « إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خافَ عَذابَ الْآخِرَةِ ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ » . « 8 »

--> ( 1 ) - فاطر 9 : 35 . ( 2 ) - المثل السائر ، ج 2 ، ص 183 - 184 . ( 3 ) - الحج 31 : 22 . ( 4 ) - الحج 25 : 22 . ( 5 ) - الحج 63 : 22 . ( 6 ) - النمل 87 : 27 . ( 7 ) - الكهف 47 : 18 . ( 8 ) - هود 103 : 11 .